ATTAC Lubnan Liban Lebanon أتاك لبنان ـ الجمعية اللبنانية لأجل عولمة بديلة
الصفحة الاساسية > rubriques فئات > documents وثائق > أهداف الألفية: أدوات للتنمية أم حصان طروادة للسياسات النيوليبرالية

أهداف الألفية: أدوات للتنمية أم حصان طروادة للسياسات النيوليبرالية

الثلثاء 20 أيار (مايو) 2008, بقلم Webmoudir

مريم غريب، مقدم بواسطة مقدم بواسطة المنشور في ١٥ أيّار ٢٠٠٨

احتفلت قمة الأمم المتحدة في أيلول عام 2005 في نيويورك، بأهداف الألفية الجديدة للتنمية كرمز لـ"البراديغم" (النموذج) الجديد للتنمية. إلا إننا نرى أنه من الأجدى إجراء تحليل أعمق لأهداف الألفية، لرؤية إذا ما كانت تشكّل أدوات حقيقية للتنمية أو إنها، على العكس، ليست إلا واحدة من إستراتيجيات القوى المسيطرة من أجل تبديد العوائق التي ترتسم خلال سعيها الدائم لإعادة تشكيل العالم خدمة للمنطق التراكمي.

أربع مؤشرات تدفعنا إلى تبني النظرة الثانية: أولا، عدم المناقشة الجدية، ضمن إطار أهداف الألفية الجديدة للتنمية، لمفهوم التنمية الذي تم اختصاره بـ"مكافحة الفقر". ثانيًا، التشديد على الناحية الأمنية بهدف تقليص الفقر. ثالثًا، الطبيعة الوظائفية لاستراتيجيات القوى المهيمنة الموضوعة قيد التنفيذ باسم تحقيق "أهداف الألفية الجديدة للتنمية"، وأخيرًا، الصفة التكنوقراطية والنخبوية التي تتصف بها السياسات النابعة من أهداف الألفية الجديدة للتنمية.

إن "أهداف الألفية الجديدة للتنمية" الموضوعة حيز التنفيذ تؤكد على توجهٍ نيوليبرالي من أجل تحقيق الإصلاحات الموعودة.

القضاء على الفقر المدقع والجوع؟

مديح ممثلي المؤسسات المالية الدولية لـ"معدل النمو"، لا يخفي حقيقة إن البلدان في منطقة آسيا-المحيط الهادئ تشكل مسرحًا لتدهور المؤشرات الاجتماعية واحتكار الثروات. النضال، على الصعيدين الدولي والوطني، من أجل القضاء على الفقر المدقع والجوع، أولى أهداف الألفية للتنمية، يتطلب منّا إعادة النظر إلى رؤيتنا للفقر. فالفقر متعدد الأبعاد بحيث أن اقتصاره على "معدل النمو" يجعل من المستحيل تحديده. والأسوأ من ذلك، إن مقاربة الفقر هذه، توحي بسياسات الخصخصة، وتحرير التجارة والتي بدورها تؤدي إلى زيادة الضغط على الشرائح الأكثر ضعفًا.

ليكون القضاء على الفقر فعالاً، على الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني أن تجد سبلا جديدة للتعاون من أجل اعادة النظر في هذه السياسات المفروضة من الخارج، وصياغة استراتيجيات بديلة للاندماج في النظام العالمي.

تخفيض الفقر أم أداة بيد النيوليبرالية؟

قراءة أولى للالتزامات التي تعهدت بها منظمة الأمم المتحدة من أجل مكافحة الفقر عبر تحقيق أهداف الألفية، قد تؤدي إلى التفاؤل، إلا أن نظرة أعمق تكشف عن عدة عيوب تقوّض من فعاليتها. هذه الأهداف، المتواضعة، تُعدّ ضمن إطار مرحلة ما بعد "توافق واشنطن" التي هدفت إلى إدامة إطار النيوليبرالية التي تنادي بها المؤسسات المالية الدولية، وإلى اعتماد مبدأ "الحكم الصالح" في صالح الأسواق المفتوحة وتفكيك الأطر التنظيمية الوطنية، وإضعاف القدرات المحلية وعملية التحول الديمقراطي الجارية. لذلك لتجنب أن تكون الأهداف أداة بيد النظام العالمي الأحادي القطب، ينبغي أن يتم اعتماد نموذج للحكم الديمقراطي الحقيقي، ويجب إعادة النظر في دور المؤسسات المالية الدولية والعمل من أجل إنشاء شراكات متكافئة. ويجب أن يترافق ذلك مع إجراء تغييرات في ميازين القوى العالمية عبر ضمان استقلالية البلدان الفقيرة وعبر تحديدها لأشكال التنمية التي تريد إتباعها.

منظمة التجارة العالمية

بعض قواعد منظمة التجارة العالمية، المكرسة في اتفاقيات محددة، هي بصراحة معاكسة تمامًا لأهداف الألفية. فالاتفاقيات حول الزراعة وتجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية والمنتجات الصناعية، تعكس تحيزاً واضحًا لصالح البلدان المتقدمة. هذه الاتفاقيات تسعى للمحافظة على برامج الإعانات الزراعية التي تعيق تنمية الزراعة وعمل المزارعين في بلدان الجنوب. فالبلدان النامية تجد صعوبة أن تضع موضع التطبيق العملي آليات وقائية خاصة، وآليات المعاملة الخاصة والتفضيلية والإعفاءات الأخرى... التي من المفترض أن تضمن لها الحد الأدنى من الحيز السياسي اللازم لإعداد استراتيجياتها الإنمائية الخاصة. بالإضافة إلى غياب الشفافية، تمنع هذه العقبات إقامة شراكة من أجل التنمية وخفض الفقر في العالم.

شراكة عالمية جديدة من أجل التنمية؟

بخلاف الانطباع العام، أن أهداف الألفية من أجل التنمية مخيبة للآمال على أكثر من صعيد. فعلى الرغم من أن تحديد أهداف ملموسة في مجال التنمية البشرية هو شيء ايجابي، إلا أن الأهداف التي حددها المجتمع الدولي في معظمها غير طموح وسبق إن لم يلتزم تطبيقها. الهدف 8، الذي يشمل الوسائل التي من المفترض استخدامها لتحقيق الأهداف من 1 إلى 7، شرعت في اعادة طرح الحلول القديمة التي سبق أن تبين عدم صلاحيتها. وبصفة خاصة، مفهوم "الدين المستدام" الذي لا ينطوي على إلغاء الدين الخارجي، بل على إدخال استراتيجيات التنمية في دورات جديدة من الديون. أما بشأن الـ"مساعدة الإنمائية"، فان المنطق السياسي والظروف التي تصاحبه لا تسهم في تحقيق أهداف الألفية من أجل التنمية.

تشريع وتوسيع إطار النموذج المسيطر

استعراض الأهداف وطرق تنفيذها يؤدي إلى الاستنتاج أن هذه الأهداف تشكل سلسلة مكسورة ترافقها ظروف تستبعد فرص تحولها إلى واقع ملموس. الأسوأ من ذلك، إن تحليل الوقائع والمنطق وراءها، تظهر نيّة مبيتة لجعل الدول تقبل بضرورات الليبرالية بهدف خدمة مصالح الهيمنة الرأسمالية المعولمة. إن الأهداف الحقيقية هي: أولاً، الخصخصة ويقصد بها فتح مجالات جديدة لتوسع رأس المال؛ ثانيًا، تعميم نموذج استملاك الأراضي الزراعية؛ ثالثًا، تحرير التجارة وحركة رؤوس الأموال؛ رابعاً، حظر تدخّل الدولة في الحياة الاقتصادية.

إلا أنه في المقابل، إعادة السيادة للدول، والاعتراف بشرعية دورها في مجال التنمية، هما الشرطان الأساسيان لتحقيق أهداف الألفية.

أي نضال ضد الفقر؟

تم تبني الأهداف بدون الالتزام بأية من معايير الشفافية الحقيقية من قبل منظمة الأمم المتحدة، فهي كانت تستعد لاحتضان "توافق واشنطن" من خلال إطلاق "الميثاق العالمي"، وهو شكل من أشكال الشراكة بين القطاعين العام والقطاع الخاص، وتعزيز روابطها مع البنك الدولي. ومن هنا يبدو التعارض بين الأهداف التي تنشدها الأمم المتحدة والاستراتيجيات التي المقترحة لتحقيقها التي تعتمد إلى حد كبير على إستراتيجيات المؤسسات المالية الدولية (توافق مونتيري، واتفاقات الدوحة، مبادرة للبلدان الفقيرة المثقلة بالديون…). لذلك، من المشكوك فيه أن يكون أثرها حقيقي على تخفيض نسبة الفقر، بل إنها قد تجعل الحالة أسوأ. من المهم بشكل خاص دعم الكفاح الذي يحدث في العالم من أجل الديمقراطية وتلبية الاحتياجات الأساسية. فالنضال من أجل تحقيق أهداف الألفية من أجل التنمية، يبعدنا عن العوامل الأساسية المؤدية إلى التغيير الحقيقي.

تبعية أفريقيا وحاجتها إلى التنمية

في المناقشات التي دارت حول أهداف الألفية، يتركز الاهتمام على استراتيجيات لزيادة المعونة لأشد البلدان فقراً. ويعتبر النمو في داخل الأوساط الدولية الرئيسية حلاً لتمكين هذه البلدان من تحقيقها بحلول عام 2015، وجزئيا لحل مشكلة التخلف. وهذا الخيار تعرّض للانتقاد على نطاق واسع من جانب بعض الناشطين من إفريقيا.

تشكل المعونة الأجنبية (المساعدات) عقبة في طريق التنمية، عبر تغذية الفساد والإهمال من قبل بعض الحكومات. وقد أدّت إلى تعزيز تبعية أفريقيا تجاه البلدان الغنية، من "المعونة المشروطة" أو "الشروط" التي تفرضها الجهات المانحة الرئيسية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، حكومات الشمال). فالتكاليف التي تتكبدها هذه القارة باهظة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي. الحل لمشكلة ضعف التنمية يكمن في تحول عميق في العلاقات الدولية وإدارتها.

مؤسسات محركة، تمويل ووقائع ملموسة

فلنتخيل الأمم المتحدة في مواجهة حالات مأساوية من الفقر وسوء التغذية وانتشار الأوبئة وعدم المساواة بين الجنسين التي تسود كثير من بلدان العالم، هل تبقى أهداف الألفية من أجل التنمية الإستراتيجية الأنجع لمعالجة هذه الأزمات؟

مثل مبادرة "البلدان الفقيرة المثقلة بالديون"، و"ورقات إستراتيجية الحد من الفقر" التي يروج لها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تعتبر أهداف الألفية أداة جديدة تهدف إلى "الحد من الفقر". ومن المفارقات، إنها تنتهج سياسات "التكيف" وفتح الأسواق التي تؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية للأغلبية. كما أن آليات تمويلها (كالمساعدة الإنمائية الرسمية، وخفض الديون، والتجارة) تؤكد هذا التناقض، فهي تأتي بنتائج عكسية تناقض الأهداف المعلنة. فعلى الرغم من أن المساواة بين الجنسين والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لا يزالان يندرجان في صلب الخطابات والأهداف المعلنة، إلا أن الواقع لا يدعو إلى التفاؤل.

الحكم الصالح: تناقض أو تكامل؟

تعتبر مقولة "الحكم الصالح" الحلقة المفقودة بين الإصلاح الاقتصادي والنمو المتوازن. هذه المقولة تروج لها مؤسسات "بريتون وودز" للحلول مكان الدولة في السوق، مما يؤدي إلى تعزيز نموذج الليبرالية الجديدة المهيمنة على حساب غيرها من نماذج التنمية التي من شأنها إعطاء الأولوية للقضاء من الفقر من خلال سياسات اعادة توزيع الثروة.

"السخاء" ليس استثناء عن القاعدة. والمشكلة الأساسية لا تتعلق كثيرا بمقولة "الحكم الصالح"، أو نوايا أهداف الألفية من أجل التنمية وعجزها عن تحديد مسألة شرعية التكامل في الاقتصاد العالمي. ففعليا، ما جدوى محاربة الفساد والفقر، إذا ما كانت المؤسسات المعنية بالقضاء عليهما تتبع سياسات مشجعة للاستثمارات وللمؤسسات العابرة للقوميات والضارة بالسكان وبيئتهم؟

بدلا من أن تنسب مسؤولية فشل سياسات الليبرالية الجديدة إلى "سوء الإدارة" المحلية، من الضروري تحديد العوامل السياسية العالمية التي تعوق تحقيق هذه الأهداف.

نضال ضد الفقر أو حرب على الفقراء؟

أهداف الألفية من أجل التنمية التي حددتها الأمم المتحدة ضرورية، إلا أنها غير كافية لمكافحة الفقر وتعزيز التنمية، لأن الأسباب الجذرية للمشاكل تم تجاهلها تماما. الإعلان عن الرغبة بتحقيق هذه الأهداف من جانب المؤسسات الدولية، هو تغطية وذريعة أخلاقية لترسيخ السياسات النيوليبرالية، وإنشاء الشركات المدمرة التي تفاقم الفقر.

إن الاستمرار بالإستراتيجية النيوليبرالية، التي يشكل مزعم "مكافحة الفقر" ركيزة من ركائزها الإيديولوجية، حوّل الأهداف إلى حرب ضد الفقراء. وإن معظم الاقتصاديين "الحساسين للبعد الاجتماعي للتنمية"، أو حتى للمفكرين الذين ينتقدون النيوليبرالية (من الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد)، لا يقترحون، في الواقع، بديلا عنهاً، رغم إدانة غالبية دول العالم والشعوب لها.

من هنا، فإن الأهداف التي أدرجتها الأمم المتحدة لن تتحقق إلا بشرط وجود الديمقراطية الحقيقية للمجتمعات.

المنشور: العدد 12 - نيسان/أيّار، 2008

SPIP | صفحة نموذجية | | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0