ATTAC Lubnan Liban Lebanon أتاك لبنان ـ الجمعية اللبنانية لأجل عولمة بديلة
الصفحة الاساسية > rubriques فئات > documents وثائق > حوض البحر الأبيض المتوسط، السـاحة الإقليمية لهـجمات الليبرالية الجديدة

حوض البحر الأبيض المتوسط، السـاحة الإقليمية لهـجمات الليبرالية الجديدة

الاثنين 6 آذار (مارس) 2006, بقلم Webmoudir

ـ حوض البحر الأبيض المتوسط عبر التاريخ

شَكَّلَ حوض البحر الأبيض المتوسط عبر العصور فضاءً للتبادل والتداول والتنقل بين الشعوب . فقد انطلق الفينيقيون والإغريق من الشرق لتأسيس مراكز عديدة لهم على الشواطئ الإفريقية ، كما على ضفاف بلاد الغال وإيطاليا. ومنذ العهد الروماني وحتى غاية نشوء الدولة العثمانية، فإن أمبراطوريات كثيرة شُيِّدَت سلطتها التي امتدت أحيانا إلى عمق القارات الثلاث المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط ، آسيا ، إفريقيا وأوربا. لكن العلاقة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط ، الشمالية والجنوبية ، عَرِفَت ، بفعل التوسع الرأسمالي، والغزو الاستعماري، وانهيار الإمبراطورية العثمانية ، اختلالا متزايدا في التوازن لصالح أوربا. إن تعريف الفضاء المتوسطي ، حسب ما تفرضه اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية، والتي تضم من جهة مجموعة دول الاتحاد الأوربي ، ومن جهة أخرى الدول العربية المشرفة على البحر دون غيرها من دول الشرق الأوسط ، سواء كانت عربية أو غير عربية، يترجم في الحقيقة وبشكل مفضوح عن هذا الاختلال الذي يُلازم العلاقات الأورومتوسطية . ذلك أن الاقتصار على تعريف لا يمت إلى الجغرافية بأية صلة ، ويحدُّ من الشراكة بحيث تقتصر على البلدان المطلة على البحر الأبيض المتوسط بالإضافة إلى لأردن ، ويُقصي الدول العربية الأخرى، يُراد منه في حقيقة الأمر حملَ عدد من البلدان العربية على التطبيع مع إسرائيل ، أيا كان موقف هذه الدولة أو تلك من المطالب الفلسطينية ، ودمج إسرائيل ضاربين عرض الحائط بالمطالب الفلسطينية .

ـ الرهانات المتوسطية

إن الفضاء المتوسطي الذي يقع تحت تأثير التاريخ والجغرافية، وقد شََيَّدَت العلاقات التجارية والغزو الاستعماري والتيارات الدينية والثقافية بناه ، هو اليوم فريسةً للعنف النيوليبرالي ، وما يخلِّفُه من نتائج . وإن لهذه النتائج وقعها على ضفتيه معا ، وذلك فيما تتقاسم كل البلدان المطلة على المتوسط عددا من المشكلات المشتركة :

ـ مشكلات متأتية من الجغرافية والمناخ : هناك ارتفاع لسخونة الجو ، نقص للموارد المائية واستغلال سيئ لها ، تلوث لمياه البحر، تنافس تجاري بين المنتجات الزراعية نفسها ، بالإضافة أيضا إلى تخطيط المدن والاستفادة من المكان ، إدارة الموارد الطبيعية ، إلخ . إن الحلول المقترحة اليوم من قِبَلِ رأسمال شره للربح السريع ، لا تُرضينا .

ـ موروث يتعلق بالتاريخ، وبالتاريخ الاستعماري على وجه الخصوص؛ مشكلات مـتأتية من أن التصفية المنقوصة للاستعمار لا زالت تُحدِث كوارث وخرابا بدءً بالصحراء وحتى غاية فلسطين ، وصولا إلى علاقات التبعية التي لا تعرف النهاية ، وتتخفى وراء خطاب الصداقة بين الشعوب والتبادل الثقافي والتنسيق والشراكة.

وتَتَّحد اليوم كل هذه المشكلات برهانات جديدة مرتبطة بالأنماط التي تُعتَمَد في المنطقة لتنفيذ السياسات النيوليبرالية ومشاريع القوى الإمبريالية الرامية إلى الهيمنة .

ـ إن الشراكة الأورومتوسطية تَرسم فضاءً سياسيا واقتصاديا ، وإن الاتحاد الأوروبي يَفرض على هذا الفضاء مشروعا ، وإن الحلقة الصلبة في هذا المشروع هي تشييد منطقة للتبادل الحر منتظرة في أفق العام 2010 . إن مشروعا كهذا لا يمكن إلا أن يزيد من تفاقم اختلال التوازن في حالاته الكثيرة ، ويزيد أيضا من حالة التبادل غير المتكافئ استفحالا ، ويفسح في الوقت نفسه مجالا واسعا أمام انعدام المساواة والتهميش والنبذ ، وغياب الأمن .

ـ لقد جَعَلَ الاتحاد الأوربي من نفسه ، سواء في شمال أم في جنوب المتوسط ، لسان حال السياسة التي تُرْسَم ضمن المنظمة العالمية للتجارة ، والمؤسسات المالية الدولية ، والبنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، والتي يمكن إجمالها تحت يافطة "اتفاقية واشنطن": أي خصخصة و لـَبـْرلـَة القطاع العام ، وتحرير تنقل الأموال والبضائع، وانثنائية flexibilité قوانين العمل وتشريعاته ، الخ .

ــ إن السيطرة على احتياطيات النفط والطاقة تُشَكِّل رهانا مركزيا في ما يعرفه الشرق الأوسط من صراعات وحروب ، كما هي تُشكِّل بمعنى أعم - رهانا مركزيا للمشاريع الأمريكية للهيمنة ، وذلك فيما يُعرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير .

ـ وإن السياسة العدوانية التوسعية لدولة إسرائيل تُشَكِّل حلقة من حلقات المشروع الأمريكي الذي يهدف إلى الهيمنة على المنطقة . إنها تؤدي وظيفتها على صعيد الشرق الأوسط كوكيل عن السياسة النيوليبرالية يعمل لحساب الأسواق النقدية والشركات المتعددة الجنسيات ولصناعات الأسلحة.

إن تعريف الفضاء المتوسطي كما تُرَوِّج له مسيرة برشلونة لا يعنينا ، وهو ليس منا ، وليس لنا . فالفضاء المتوسطي الذي ندعو إليه لا يمكن أن يكون إلا فضاءَ الحركات الاجتماعية التي تـُسـْتــنـْهَضُ وتُعبَّأ من أجل النضال ضد النيوليبرالية وضد الحرب. إن فضاءنا المتوسطي هو فضاء النضالات المشتركة من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضاء متوسطي متضامن، يحترم الإنسان وبيئته.

إننا ، بهذا المعنى، نتبنى بدون تحفظ شعار المنتدى الاجتماعي المتوسطي الأول : "من أجل بحر الحقوق" .

الشراكة الأورومتوسطية: أداة للسياسات النيوليبرالية

ضَمَّت الشراكة الأورمتوسطية، التي انطلقت في 28 نونبر من العام 1995 من برشلونة، الاتحاد الأوربي واثنتي عشرة دولة من جنوب وشرق المتوسط . ثم انضمت اثنتان منها ، وهما مالطا وقبرص ، للاتحاد سنة 2004 . أما تركيا فإنها مرشحة للانضمام ، وهي تستفيد من اتفاقية اتحاد جمركي . وعليه فإن الشراكة في نهاية المطاف تعني بالأساس ثمان دول عربية ، هي تونس والمغرب والسلطة الفلسطينية والأردن ومصر والجزائر ولبنان وسوريا ، إضافة إلى إسرائيل . إن مسيرة برشلونة التي تُعَرَّف من حيث هي "أداة أساسية للشراكة وللتعاون والحوار" مع منطقة المتوسط ، تُعلن عن ثلاثة أهداف لنفسها :
- تشييد "فضاء للسلم والاستقرار" بفضل الحوار السياسي والعمل على استتباب الأمن بالمنطقة .
- تشييد "منطقة للرخاء المشترك" بفضل تأسيس منطقة للتبادل الحر في أفق العام 2010 .
- العمل على التقارب بين الشعوب وتطوير "تبادل الخبرات بين المجتمعات المدنية". ويدخل اتفاق برشلونة حيز التنفيذ من خلال برامج التعاون متعددة الأطراف (MEDA) ، ومن خلال اتفاقات مشاركة (A.A) " ثنائية" ما بين الاتحاد الأوربي وكل من الدول المتوسطية المعنية (P.T.M) . إن اتفاقيات المشاركة هي من حيث الأساس والجوهر مختلَّة ، لأنها ، من جهة ، تضم الاتحاد الأوربي في مجموعه ، ومن جهة ثانية ، كل بلد من بلدان الضفة الأخرى معزول على حدة . وعلاوة على ذلك ، فإن قادة الاتحاد الأوروبي هم الذين يضعون برامج التعاون متعددة الأطراف MEDA التي تهدف بالأساس إلى تشجيع الإصلاحات الاقتصادية، وإن هذه البرامج تبقى بالتالي حكرا عليهم دون غيرهم . ما يسمح بالقول إن أوربا تفرض شروطها ، وإن موقف دول الجنوب في المفاوضات يبقى عمليا دونما جدوى . إن البعد الاقتصادي ، من حيث الوقائع المحسوسة ، هو الذي يسيطر على مشاغل الاتحاد الأوربي . فاتفاقيات المشاركة تضم كلها بندا يمتثل للقواعد المرعية في المنظمة العالمية للتجارة . إنها تنص على فتح الأسواق ، وخصخصة الشركات والخدمات التابعة للقطاع العام ، وتوفير شروط ملائمة لجلب الاستثمار الأجنبي ، ورفع الحواجز والتعرفات الجمركية . وهنا يجب أن نعلم أن دولا مثل تونس ومصر أو تركيا، في الوقت الذي تتخوف فيه أوروبا من منافسة قطاع النسيج الصيني لمنتجاتها ، سَتـعاني أكثر تحت وطأة هذه القواعد . أما الدعم المالي ، فإنه مُكَرَّس بالأساس لما يسمى بالدعم من أجل "إنجاز المرحلة الانتقالية" و"لرفع كفاءة ومؤهلات الشركات والمؤسسات" ، وذلك بما يتيح لها بلوغ مستوى (موهوم) من المنافسة للمؤسسات والشركات الأوربية . وهذا يعني تسريح للعمال، وتثنية مستمرة ومتنامية في قسوتها لتشريعات العمل . ومن هذا المنظور ، فإن هذه البرامج ما هي إلا بديل يحل محل برامج التصحيح الهيكلي لسنوات الثمانينات . أما النتائج فإنها واحدة ، من حيث إتلاف النسيج الاقتصادي للمؤسسات الصغرى التي لا تقوى على منافسة البضائع الواردة من أوروبا، واستنزاف لموارد الدول، وخصخصة قطاعات الصحة والتعليم، ناهيكم وتفاقم البطالة عن العمل ، واتساع عمق الفوارق المجتمعية . وما دامت المساعدات الأوروبية موضوعة أصلا رهن إشارة سياسات تحرير الاقتصاد (السياسات الليبرالية) ، فإن المساعدات الأوربية تبقى ذات طبيعة تافهة ولا قيمة لها من حيث الأصل : إن برامج الشراكة متعددة الأطراف MEDA (ميدا) التي تظل الأداة الأساسية في هذا الباب، تمثل 2,1% من ميزانية الاتحاد الأوربي، في مقابل 44% المرصودة للسياسة الزراعية الموحدة . يضاف إلى ما سبق أن توسيع أوربا نحو الشرق وسياسة "حسن الجوار" التي تنتهجها، ستساهم لا محالة في تقليص أكبر للحصة المخصصة لدول العالم الثالث . وأخيرا تبقى الاستثمارات الأجنبية المباشرة IDE المُوَجَّهة نحو دول جنوب المتوسط أقل أهمية من مجموع ما يحوِّله العمال المهاجرون من عملة صعبة نحو هذه الدول نفسها . وفي جميع الأحوال، فإن الهدف المقصود من المساعدات التي يُـفترض رصدها لدعم الإصلاحات البنيوية ، هي ليست فقط عاجزة عن التخفيف من النتائج السلبية لتحرير الاقتصاد (السياسات الليبرالية) ، وإنما هي ، علاوة على ذلك ، ليس من شأنها إلا أن تزيد الأمور تفاقما . إن اتفاقية برشلونة القائمة رسميا على قاعدة شراكة التعامل بالمثل ، عاجزة عن طمس التفاوت المستفحل بين الشركاء المعنيين : إن الدخل الداخلي الخام P.I.B وحده لدولة كبلجيكا مثلا يفوق مثيله لدى الدول العربية المتوسطية مجتمعة . أما التبادلات التجارية ، فإنها تبقى في أغلبها لصالح دول الاتحاد الأوربي ، وذلك فيما تتفاقم مديونية الدول العربية. وعلى العكس من ذلك ، فإن مبادلات دول الجنوب في ما بينها تظل دون قيمة تذكر، فيما تُنَمِّي اتفاقيات الجنوب- جنوب مبيعات الاتحاد الأوربي . هذا ، وإن تشجيع الاتحاد الأوروبي للتبادل بين دول الجنوب مع بعضها البعض ، ليس من شأنه سوى أن يؤكد ويكشف للعيان تبعية البلدان المذكورة للمشاريع الأوربية . وقد وَجَدَت هذه الحالة ترجمة عنها في اتفاقية أغادير الموقعة في العام 2004 ، والتي ضمت المغرب وتونس ومصر والأردن . وإن مثال المسألة الزراعية ذات دلالات خاصة . فإن أوروبا تَفرض ، من جهة ، على دول الجنوب تحرير السوق في وجه المنافسة ، في الوقت الذي تستمر هي في توفير الدعم المالي وغير المالي بصورة مكثفة لإنتاجها الزراعي ، وتستمر في الوقت نفسه في وضع العراقيل أمام المنتجات الزراعية لدول الجنوب ، وأمام ما قل وندر من منتجات الجنوب القادرة على المنافسة . وإن دول الجنوب مُلْزَمَةُ ، من جهة ثانية، بفتح أسواقها الداخلية أمام الواردات الأوربية، وبوجه خاص الزراعية منها والتي تتلقى دعما . وإن دول الضفة الجنوبية ليس أمامها سوى خيار واحد ألا وهو أن تطور زراعة المنتجات القابلة للتصدير على حساب الزراعة الغذائية ، وذلك على حساب أمنها الغذائي ، وما ينجم عن هذا الخيار من إفقار سريع للفلاحين من السكان المحرومين من مواردهم والمُرغَمين على التحوُّل من أجل لقمة العيش إلى يد عاملة رخيصة وبائسة . أما سياسة الحماية التي يَنتهجها الاتحاد الأوربي ، فإنها تسعى أولا وقبل كل شيء إلى التحكم في تدفق الهجرات إلى بلدانها . فإذا كانت أوربا في حاجة إلى يد عاملة مهاجرة للتعويض عن نتائج التراجع الديموغرافي الذي تعرفه (ضمان التنمية مع تسديد رواتب التقاعد)، فإنها تَستَغِل أيضا توافد المهاجرين إليها بصورة سرية لاستغلالهم بدون حدود كيد عاملة هشة بحكم وضعهم العرضي المؤقت ، ولصالح تنمية الزراعة الصناعية ، كما هو الحال في الأندلس أو في جنوب فرنسا . إن أوروبا إذ هي تخلط عن قصد بين مفهوم الهجرة السرية ومفهوم الجريمة المنظمة ، فإنها تختار على هذا النحو مقاربة أمنية لقضية الهجرة ، وتُعلي من شأنها لتبرِّر عدم احترامها لمبدأ حرية تنقل الأشخاص ؛ وهي تَتْرك - من هذا الباب - مهمة السيطرة على توافد الهجرات القادمة إليها من الجنوب إلى دول جنوب المتوسط لمنع رعاياها من الهجرة إ لى بلدان الاتحاد الأوروبي . ويصبح التقارب ، في ظل هذه الشروط ، بين الشعوب ، وحوار الثقافات ، وتبادل الخبرات بين المجتمعات المدنية ، ضربا من ضروب الوهم والخيال ، خاصة وأن إمكانية حصول الشباب والمثقفين والفنانين المبدعين على تأشيرة دخول قنصلية تزداد كل يوم صعوبة، وذلك حتى وإن كانوا مدعوين في إطار مشاريع مشتركة. إن الفضاء المتوسطي الذي كان بالأمس فضاءً للتبادل، أصبح اليوم حاجزاً . إن أوروبا أبعد ما تكون عن أن تنجح في تحويل الفضاء المتوسطي إلى منطقة للسلم وللرخاء الموعودَيّن ، فهي عاجزة أمام النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ، حيث تكتفي بتوجيه النصائح التي تظل غالبا بدون متابعة ، مما يُنمِّي في العالم العربي إحساسا عميقا بالظلم . وهي أيضا أبعد ما تكون عن أن تدعم الديمقراطية في بلدان الجنوب بما يساعدها على إدارة سياستها الليبرالية، وتراها عوضا عن ذلك تنسجم دونما عبء أو اكتراث مع الدول لأكثر قمعا و سلطوية . هذا مع العلم أن كل اتفاقيات الشراكة تتضمن بنداً ينص على احترام حقوق الإنسان والديموقراطية . وإن الاتحاد الأوروبي ، رغم أن تونس مثل إسرائيل تنتهك بشكل وقح هذا البند ، فإنه لم يسبق له أن احتج على هذه الانتهاكات . وعندما ارتأى البرلمان الأوربي أن يضع حدا للاتفاقيات مع إسرائيل في أعقاب الخراب الذي ألحقته بجنين في ربيع العام 2002، فإن المفوضية لم تعر هذا الموضوع أي اهتمام . وهذا دليل على أن همَّها الأساسي اقتصادي وأمني أولا : أي تحطيم الحواجز الجمركية، وتكريس مبدأ الملكية الفكرية، فضلا عن ضبط الهجرة والتحكُّم في اتفاقيات إعادة دمج المهاجرين بصورة سرية . وإن كل هذه الهموم هي إحدى رهاناتها الرئيسة . إن هوية البلدان الأولى الموقِّعة على اتفاقيات التعاون غنية بالمعاني . وكان تم الاتفاق مع تونس سنة 1995 ، ومع المغرب سنة 1996، ثم إسرائيل سنة 1995 ، وفلسطين ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية بالنيابة عن السلطة الفلسطينية سنة 1997 . والمثير في هذا الباب أن الفلسطينيين حتى قبل حصولهم على حق تأسيس دولتهم المستقلة، وجدوا أنفسهم مرغمين على قبول نمط اقتصادي أحادي الجانب ، في الوقت الذي تبدَّدت فيه أدراج الرياح المساعدة المالية الأوربية التي رُصِدَت لتشييد بنية تحتية فلسطينية ، وذلك من جراء الاعتداءات الإسرائيلية المُخَرِّبَة والمتكررة ، والتي لم تُواجَه في أغلب الأحيان بأكثر من احتجاجات محض شكلية، ليس إلا .

اتفاقيات أوسلو: مرحلة على طريق وضع السياسات النيوليبرالية في الشرق الأوسط موضع التنفيذ

إن اتفاقيات أوسلو التي قوبلت سنة 1993 بالترحيب كإنجاز كبير في اتجاه السلام، أصبحت اليوم تحتضر . فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ التوقيع على الاتفاقيات لم تتوانى على نقضها ، فهي استمرت في احتلال الأراضي ومصادرتها ، وفي اقتلاع الأشجار . بيد أن ثمة جانب من هذه الاتفاقيات يُحيط به صمت مطبق ، ألا وهو الشق الاقتصادي الذي يسرد التفاصيل بحذافيرها ، ويُشَيِّد التبادل الحر بين فلسطين وإسرائيل : والغاية من كل هذا هي تطويع أوسع للاقتصاد الفلسطيني حتى قبل أن تلوح في الأفق بوادر تأسيس الدولة الفلسطينية . وكانت اتفاقيات السلام مع الأردن ، والتي جاءت بعد أوسلو في العام 1994، خطوة إضافية جديدة على مسار الدمج الاقتصادي لإسرائيل في المنطقة. فقد شُيِّدَت "مناطق اقتصادية خاصة" فوق الأراضي الأردنية، لاستقبال مؤسسات وشركات ذات رؤوس أموال مشتركة ، عربية وإسرائيلية ، وذلك مقابل دخول البضائع العربية بدون قيود إلى السوق الأمريكية . ويجري في الوقت الحاضر تشييد مناطق مماثلة في مصر . وإذا كانت حرب الإبادة التي تُمارَس ضد الشعب الفلسطيني تهدِّد السلم في المنطقة، فإنها تخدم ، علاوة على ذلك ، مصالح اقتصادية مُعَينَّة . ذلك أن الجيش وصناعة الأسلحة تضغط بثقلها على الخيارات السياسية والاقتصادية لإسرائيل ، وذلك على حساب السكان ، بما فيهم مجموعة من الإسرائيليين يهوداُ وغير يهودٍ ، والتي تعيش أخطر أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية منذ تأسيس دولة إسرائيل . إن تدمير فلسطين ومعها اقتصادياتها (كما دُمِّرَ العراق على صعيد آخر) ليس من شأنه أن يضعها فقط تحت رحمة مصالح الاقتصاديات الأجنبية، بل يتعدى ذلك إلى ما يعد به من أرباح دسمة في ما يسمى بإعادة الإعمار .

الطمـوحات الأمريكـية المتوسـطية ومبادرة الشرق الأوسط الكبير

يُعتبر الفضاء المتوسطي أيضا حيزاُ حساسا للتنافس الاستراتيجي بين أوربا والولايات المتحدة . فالمتوسط يُعتَبَر بالنسبة للولايات المتحدة الطريق البحرية بامتياز نحو النفط ، وأسرع ممر نحو الشرق الأوسط . و من أجل التحكم عسكريا في الفضاء المتوسطي ، فإن حلف شمال الأطلسي OTANيُشَكِّلُ إطاراً للتشاور بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ، وذلك رغم أن مواقف الطرفين من الرهانات الاقتصادية (نفط، سلاح)، وإعادة الترتيب الجيو-استراتيجي للمنطقة ، متعارضة . وهكذا ، فإن قيادة الأسطول السادس الأمريكي هي التي تتولى القيادة الجنوبية للحلف الأطلسي . ولما كان الأمر على هذا النحو ، فإن الولايات المتحدة هي التي تَفرض أولويتها على غيرها من الأعضاء في الحلف في ما يتعلق بتحديد أهداف هذا الحلف ومهام القوات المسلحة . ومنذ 11 سبتمبر/أيلول من العام 2001 ، فإن الولايات المتحدة أعادت تأكيد أولوياتها الاستراتيجية ، وهي : تعزيز وتقوية الأسطول السادس الأمريكي ، ممارسة نشاط وتواجد مستمر للقوى البحرية الحليفة المتوسطية بحيث يشمل تنظيم المناورات المشتركة مع دول المغرب العربي ، الانتقال بمبدأ التضامن الأطلسي إلى حيز التنفيذ وعلى أرض الواقع (التحليق في المجال الجوي، تبادل المعلومات ، حماية القواعد الأمريكية والصديقة...) . لكن إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط ليس هدفا مُستَحدثا طارئا ، ذلك أن إعادة الترتيب هذه كانت من الأهداف التي حدَّدتها الحكومة الأمريكية لنفسها قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول . فمنذ نهاية الحرب الباردة، ارتأت الإدارة الأمريكية أن تُعيد النظر تدريجيا في تحديد دورها في العالم . وهكذا ، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي ، ظهر عدو جديد يحمل اسم الإرهاب العالمي . ويُشير هذا المفهوم " الذي يتسع ككيس السفر لكل شيء" ، إلى عدو متعدد الأوجه والمواقع ، كما يُؤذٍن بانطلاق حرب كونية . وبمثل هذا المنطق ، فإن هذا المفهوم يُعلن عن "صِدام الحضارات"، حيث تتصدى الحضارة الغربية اليهودية المسيحية والديموقراطية لشرق إسلامي ظلامي . وإن أحادية القرار الأمريكي تستمد مبرر وجودها من هذه الرؤية العنصرية والاستعمارية الجديدة . وهي ، من هذه الرؤية أيضا ، تستمد المبررات لتعزيز قوانين الاستثناء (في الشمال كما في الجنوب)، ولتقذيم منظمة الأمم المتحدة بصورة مستديمة . والحال ، إن وراء هذه التدخلات العسكرية الإقليمية وكخلفية لها ، ترتسم ملامح مشروعٍٍ لتشييد منطقة شاسعة للتبادل الحر تقع تحت سيطرة الأمريكيين وحليفتهم بامتياز في الشرق الأوسط ، ألا وهي إسرائيل . ولقد حَذََت الأردن سنة 2001 حذو إسرائيل التي كانت وَقَعَّت اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة منذ العام 1985، ثم جاء المغرب سنة 2004، فالبحرين سنة 2005 . واليوم ، فإن "المبادرة من أجل تشييد الشرق الأوسط الكبير" هي آخر مِسْخ متحول من إبداع المشروع الأمريكي للسيطرة العسكرية والاقتصادية والسياسية على الشرق الأوسط . ومن الجدير بالذكر هنا أن نعيد إلى الأذهان أن المبادرة إياها حظيت بترحيب مجموعة الثمانية ، ومعها بالتالي القوى العظمى الأوروبية التي تَكشُف هنا وهناك ، أو كما سبق وفَعَلَت بشأن حلف الشمال الأطلسي، عن حدود حرصها على الاستقلال عن الولايات المتحدة الأمريكية .

كيف السبيل إلى بناء التآزر؟

من الواجب ، سواء في شمال أم في جنوب المتوسط ، أن تتطور وتتكاثَّف داخل مجتمعاتنا التعبئة العامة لجميع القوى الديمقراطية على ساحة النضال المشترك لضفتي المتوسط ، حتى نتقدم نحو فضاء متوسطي أكثر عدلا ، وتضامنا ، وتعددا من الناحية الثقافية . ومن الخطأ التسليم بأن الشروط الموضوعية مادامت متوفرة لبناء بنى من التضامن في أكثر من مجال ، عبر مضيق جبل طارق وميسن والدردنيل ، حتى يتحققَ بصورة يسيرة التضامن في مجالات كثيرة .
- أولا ، لأن عوائق كثيرة تنتصب لتحد من حرية تنقل الأشخاص : هناك صعوبات تعترض الفلسطينيين كلما حاولوا الخروج من الأراضي المحتلة، وهناك إجراءات تعسفية تحول دون الحصول على تأشيرة الدخول القنصلية ، فضلا عن غلاء ثمن تذاكر السفر .
- إن انعدام التناسق حسب ما هو ملحوظ بين شمال وجنوب المتوسط على المستوى الاقتصادي والمجتمعي هو، هو نفسه ، على المستوى السياسي : فتقاليد النضال والتنظيم ، فضلا عن ظروف ممارستهما أيضا ، تختلف من بلد لآخر إلى حد عظيم . فإذا كانت الحركة الاجتماعية، خاصة في بعض بلدان شمال المتوسط ، تتمتع بوجود قوي ، وهو يُفضي إلى التأثير على ميزان القوى، فان الحركة الاجتماعية في بلدان غيرها إنما هي تعاني من الضعف والتبدُّد والتهميش ، بل ومن تحوُّل المنظمات النقابية والشعبية إلى مستحثات ، وذلك من جرَّاء الحروب والقمع ، أو لأسباب أبسط من ذلك، كالصراع من أجل القوت اليومي .
- لا زال الموروث الاستعماري يطبع الحركة الاجتماعية بطابعه. ذلك أن حركة مناهضة الاستعمار في أوروبا ظلت محدودة الأفق ، مما غذى لدى الحركات العربية القومية مشاعر الحذر تجاه اليسار الأوربي . لذا ، فإن التنديد اليوم بالسياسات الكولونيالية الجديدة التي تتخفى وراء الشراكة الأورومتوسطية ، يصطدم بالموروث من العهد الاستعماري ، طالما يزن هذا الموروث بثقله لا محالة على فضح السياسات الاستعمارية الجديدة . علما أن العلاقة بين منظمات المجتمع المدني ليست بصورة دائمة بريئة من الوصاية الأبوية التي ينتهجها بعض ممثلي الشمال .

وعليه ، فإن تشييد حركة اجتماعية حول البحر الأبيض المتوسط يقتضي لزوما إذاً تخطي عتبة الفعل التضامني للشمال إزاء الجنوب، والإعلان عن القطيعة النهائية مع منطق الرعاية والمساعدة ، وذلك من أجل تبني التفكير معاً كَمُوحَّدين في مناهضة السياسات النيبرالية الجديدة التي تُصيب دونما خطأ أهدافها ، أي العمال وسكان الضفتين ، تاركةً تأثيرات مختلفة عليهم . وبالإضافة إلى العلاقات المنسوجة حول البحر الأبيض المتوسط قديما بين المنظمات النقابية والسياسية والجمعيات ، يمكن ملاحظة ظهور البوادر الأولى لالتقاء الأفكار ، ناهيكم والتقاء المعارك والتعبئة حول عدة موضوعات (مثل البيئة، الماء، حقوق الإنسان، المرأة، البطالة عن العمل، الحرب...). وإن تلاقي الأفكار والحركات من ضفة متوسطية لأخرى لهو أمر ممكن وضروري في ميادين متعددة :

- حول قضايا البيئة، والماء، وتصفية القطاع العام ، والخصخصة، والأوضاع الهشة للعمال ، والإقصاء المجتمعي .
- من أجل زراعة لصالح الفلاح ، وضد تفاقم منطق الإنتاجية في بلدان الشمال، وضد تصدير النموذج الصناعي إلى بلدان الجنوب، الذي يُفضِّل التصدير على حساب ضمان السيادة الغذائية ، ويُتلِف المجتمعات الفلاحية .
- من أجل الدفاع عن أنظمة الحماية الاجتماعية، وضد خصخصة قطاع الصحة والتعليم. إن المسؤولين عن هذه السياسات التي تسحق الأشخاص الأكثر فقرا، وتَُلحِق البطالة بأصحاب الأجور ، وتفرغ الريف الزراعي ، وتُدمِّر البيئة، هم نفسهم في الشمال كما في الجنوب .
- المؤسسات المالية العالمية والمنظمة العالمية للتجارة (AGCS، وخطط التقويمات الهيكلية، الخ).
- الاتحاد الأوربي، كامتداد للسياسات النيوليبرالية وللمنظمة العالمية للتجارة والذي يفرض السياسات نفسها المعادية للمجتمع داخل دول الاتحاد، كما في دول "الشراكة" المتوسطية .
- والشركات المتعددة الجنسيات أيضا ، والتي تستحوذ على القطاع العام، من خلال إدارة الماء، ووسائل الاتصال والخدمات البريدية، الخ .
- الحكومات التي تنتهج السياسة نفسها وتدعم بعضها البعض حتى تُكيِّف اقتصادياتها مع مصالح الشركات المتعددة الجنسيات ومحترفي المضاربة . إن النضال ضد الحرب، وضد الاحتلال الأمريكي للعراق، وضد التوسع الاستعماري لدولة إسرائيل ، معركةُ مركزية بالنسبة للحركة المناهضة للعولمة، سواء في حوض البحر الأبيض المتوسط أو فيما عداه ، وإن كانت هذه المعركة تَشْغَل هنا في المتوسط حيزا مركزيا أكثر من سواها من مناطق العالم . إن عسكرة العولمة أكثر بداهة في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي الشرق الأوسط منها في أي مكان آخر من العالم . إذ فيما بدأت الولايات المتحدة تغوص في مستنقع المدن والقرى العراقية، فإن الدول الأوروبية تهبُّ لنصرتها ، فَتُوَقِّع في الأمم المتحدة على اتفاقيات في غفلة عن الشعب العراقي . وفي ذلك حجة إضافية تُبيِّن بأن تعارض المصالح أو الاختلاف بين الآراء والأحكام التي تََظهَر للعيان في المتوسط لا تُغيِّر في التوجُّهات الجيوسياسية الرئيسة التي كانت الولايات المتحدة حدَّدتها بعد سقوط حائط برلين . الحقيقة أن التوجهات الجيوسياسية هي إحدى أهم الساحات التي تتصارع فيها موازين القوى بين أنصار الليبرالية الجديدة والمناهضين لها ، وتَتَحَدَّد فيها قوة كلٍ من الطرفين .

المنتدى الاجتماعي المتوسطي : قوة دفع للمعارك والبدائل المشتركة

إن المنتدى الاجتماعي المتوسطي ، وبفعل الدينامية المتعاظمة للمنتديات الاجتماعية ، ونظرا لطبيعته المُنفتِحة ، ومن حيث هو يمتنع عن اعتماد القرارات ، ومن حيث هو جزء لا يتجزأ من دينامية التعبئة العالمية، فإنه قادر على إعطاء دفعة جديدة لقدرة دول الجنوب على الرد الهجومي والمقاومة . بما يُتيح للحركات الاجتماعية تطوير المقاومة المشتركة في مواجهة الرهانات الأساسية التي تتصارع في المنطقة ، وذلك ب:
- نشر وشرح المشاريع التي تأخذ طريقها إلى المنطقة، وتصادر مستقبل شعوبها ، ومنها بوجه خاص اتفاقيات الشراكة الأورو متوسطية، واتفاقيات التبادل الحر التي تتفاوض حولها الولايات المتحدة مع عدد ما من الدول ، الخ . ولن يتأتى ذلك إلا بإعمال الخبرة وتجميع المعطيات، وهذا ما كان بدأ فعلا منذ "القمة الأخرى" لمرسيليا العام 2000 ، والتي تستدعي الضرورة إحياءها مجددا .
- تبادل المعارف والأفكار والاقتراحات البديلة المنبثقة عن مختلف الشبكات والحركات والقوى الفاعلة التي تقاوم السياسات النيوليبرالية في المنطقة .
- تبادل الخبرات حول النضالات في جميع الساحات أو حيث هي تجري ، مع الإلحاح على الخبرات التي لقيت صدى ونجاحا في بلدان مختلفة من حوض البحر الأبيض المتوسط (المعارك ضد البطالة عن العمل مثلا) .
- وضع خطة من أجل تنظيم حملات مشتركة تؤدي إلى ممارسة دور قوي من أجل ترجيح كفة الصراعات الرئيسة للسياسات الراهنة (رفض احتلال العراق ، إرغام إسرائيل على التخلي عن سياستها التوسعية ، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني ، التنديد باتفاقيات الشراكة، المطالبة بإلغاء الديون، طرح مشاكل الخصخصة ، فضح سياسة إطلاق الحرية لتنقل الأموال والمصانع ، شرح وفضح دور الشركات المتعددة الجنسيات، الدفاع عن الخدمات العامة ، إثارة مشكلة الماء...) . إن لائحة المجالات التي يمكن شن نضالات مشتركة بشأنها في عموم حوض الأبيض المتوسط لطويلة . وإن تقديم المقترحات في هذا الصدد هو بين أيدي الشبكات وورشات العمل المجتمعة في المنتدى . أما شبكة أتاك في حوض المتوسط ، فإن من واجبها تحديد الأولويات ، وأن تكون أيضا حاملة لبعض من هذه المقترحات .

أ تاك

مجموعة المتوسط حزيران / يونيو 2005