ATTAC Lubnan Liban Lebanon أتاك لبنان ـ الجمعية اللبنانية لأجل عولمة بديلة
الصفحة الاساسية > rubriques فئات > documents وثائق > مقاومة العولمة: من أجل استعادة المستقبل

مقاومة العولمة: من أجل استعادة المستقبل

الاربعاء 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008, بقلم Webmoudir

مقاومة النيوليبرالية قد تأخذ أشكالاً كثيرة (من أجل يوبيل 2000 مثلاً أو ضريبة توبين أو البحث عن البدائل)، وبالرغم من أن النضالات قد تكون متخصصة بأهدافها (مزارعون، عمّال، سكّان أصليون، مواطنون، بيئيون، نساء، فقراء المدن، الخ.) وبالرغم من كون مجموعات التنسيق بين تلك المبادرات كثيرة جداً (سلطة الشعوب من أجل القرن 21 في آسيا، أو منتدى ساو باولو في أميركا اللاتينية...) لكنّها مرتبطة بسلسلة واحدة وتعمل جميعها للإضاءة على الطبيعة غير المقبولة للنظام الاقتصادي الحالي.

من المسلم به أن أقطاب الاقتصاد العالمي يشعرون بالقلق من الوضع، خاصة بمواجهة "النمور الآسيوية"، بالإضافة إلى النمو غير الرشيد للفقاعة المالية والفقر المدقع حول العالم. كما أن بعضهم بدأ باستيعاب ضرورة اتخاذ إجراءات للسيطرة على الأزمات وتنظيم التحويلات المالية وردع اقتصاد الكازينو لمكافحة الفقر. لكن المبادرات المقترحة من جانب المؤسسات المالية الدولية وخبرائها الاقتصاديين بعيدة كل البعد عن المبادئ الإنسانية، وتتحكم فيها المصلحة لتهيئة ظروف جديدة لتكديس رأس المال.

العقود الأخيرة التي عملت فيها النيوليبرالية على تحقيق سياسات التحرر الاقتصادي والخصخصة وبرامج التكيّف الهيكلي وإضعاف للدولة والنضال ضد الاشتراكية والقضاء على الحركات الشعبية، بسبب حاجتها لتكييف عملية التراكم، أدّت إلى تحوّل منطق النظام الاقتصادي إلى مواقف يمكن تسميتها بالنيوكينزية (أي العودة إلى نمط جديد من دولة الرعاية). وفي الوقت نفسه، هناك اقتراحات تدعو إلى إشراك المنظمات الطوعية من جميع الأنواع (المنظمات غير الحكومية والكنائس وما إلى ذلك) في محاولة لتخفيف الضربات في أكثر المناطق تضرراً على مستوى الحياة الاجتماعية.

في حين يحدث كل هذا، فإن منطق المنظومة الاقتصادية نفسها ليس موضع مساءلة. فالمنطق الذي يهدف إلى تحرير السوق، يهدف أيضاً إلى تشجيع التبادل وتوسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء. هذه النظرية لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أن الشراكة (بين الدول الغنية والفقيرة أو ما بين شرائح المجتمع) ليست متساوية. فالأضعف هو من يدفع ثمن هذه السياسات والعمليات، سواء أكان الضعف ناجماً عن الموقع الطبقي أو الخلفية العرقية أو الجنس، أو السلطة السياسية والثقافية. لكن الأسوأ من ذلك هو إن المنطق ذاته الذي يريد "الفوز للأفضل" قد يعني في الواقع "الفوز للأقوى".

البديل يمكن أن يكون استخدام الوسائل المتطورة ذاتها التي يستخدمها النظام الاقتصادي للحفاظ على قاعدة سلطته، بما فيها المعارف والمعلومات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة. وهذا ما يؤكّد ضرورة بناء وتعزيز التشبيك، وتضافر الجهود حول مواضيع محددة أو خلال الاجتماعات وعمليات صنع القرار.

السبب في ذلك هو أنه من المهم إيجاد بدائل لما يسمى بـ"المنتديات الاقتصادية"، كالذي أقيم في بيروت في أيار/مايو 2008. فبينما كان قادة الاقتصاد في المنطقة العربية يجتمعون في بيروت بهدف تعزيز شبكاتهم وعمليات الخصخصة والاستراتيجيات الجديدة، تحت غطاء شعارات "التنمية" و"الإصلاح الديمقراطي"، كانت شوارع بيروت وعمّان ودمشق والدوحة... وكأن شيئا لم يحدث.

كان يمكن للحركات الاجتماعية في المنطقة الاستفادة من وجود المنتدى وتداعياته ومضاعفاته في وسائل الإعلام، لإعطاء الصوت لحركات المقاومة الاجتماعية ومثقّفين نقديين في السعي لإيجاد بدائل للنيوليبرالية ولأنماط التراكم الجديدة لرأس المال. فمن الضروري إيجاد مساحة تمكّن الناس من إسماع أصواتها؛ من دون التقليل من أهمية البعد الجزئي الذي هو محور عمل العديد من الحركات والمنظمات غير الحكومية. إلا إن الأهمية يجب أن تكون للبناء الكلي القادر على تقديم مقترحات على المستويات كافة.

أهداف المنتدى البديل، المنتدى الاجتماعي العربي مثلاً، ستكون متعددة. أولاً، ينبغي أن يهدف إلى إسماع صوت المحتجّين على الظلم الهيكلي في النظام الاقتصادي الراهن؛ ثانياً، يجب زيادة الوعي للتمكن من التخطيط لمستقبل مختلف ووضع بعض المبادئ التوجيهية لبناء شبكات لتبادل المعلومات ولتعزيز العمل التضامني، وأخيرا لإلقاء الضوء على حقيقة أنه يجب رفض "المنتديات الاقتصادية" ونتائجها.

أولوياتهم ليست أولوياتنا

أولويات "القادة الاقتصاديون" لا علاقة لها بأولويات سكان كوكب الأرض. أولوياتهم لا تأخذ في الحسبان الظروف المعيشية واحتياجات وتطلعات وقدرات ما يقارب 5 مليارات كائن بشري، وهي تعتني حصراً بمصالح الفئات الاجتماعية التي، في جميع أنحاء العالم، تمتلك رأس المال، وقبل كل شيء، تسيطر على صنع القرار فيما يتعلق بتوزيع موارد الكوكب المادية واللاماديةً.

الخيارات التي اعتمدها هؤلاء، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مدى العقود الماضية، تؤدّي في الواقع إلى زيادة الفوضى وعدم المساواة داخل البلدان وفيما بينها، بالإضافة إلى العنف. "النظام" الذي أنتجوه - والذي يصرّون على استنساخه - تسرب إلى كل مكان. حتى فيما بينهم، فقد تكاثرت الأصوات المطالبة بالإصلاح العاجل - في صلب النظام، أي في الهيكل المالي العالمي الحالي.

والآن، فإن هشاشة هذا الأخير – التي ترجع، ضمن أمور أخرى، إلى عدم استقرار أسعار الصرف وتقلب الأسواق وتطوّر المشتقات وإلى أوجه القصور الهيكلية في مؤسساتهم (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) التي تقع على كاهل النظام المالي - اعترف بها الجميع. الأزمة المكسيكية عام 1994 والأزمة الآسيوية منذ عام 1997 ما هي إلاّ تأكيدات حديثة ورئيسية لذلك، وقد دفع ثمنها السكان المحليون. ولذلك، فمن الواضح أنه لا يمكن بناء مستقبل العالم استنادا إلى أولويات هذه الأقطاب الاقتصادية. إنها تمثل الماضي، وهو أمر غير مقبول وغير محتمل.

الأزمة لم تولد من الفراغ

الأزمة الراهنة هي في الواقع النتيجة النهائية لخياراتهم، ولم تخرج لتوها من فراغ. بعد عقد من الزمن على إعلان "نهاية التاريخ" ووصول نظام عالمي جديد مزدهر على أسس "الديمقراطية والسوق"، يقوم رأس المال المالي العالمي بتعريض الغالبية العظمى من عاملي هذا الكوكب لعبء الانكماش الدولي الذي انتشر كالنار في الهشيم: من آسيا: الركود والانكماش في الاقتصاد الثاني في العالم، اليابان؛ الركود والكساد في مختلف بلدان شرقي آسيا، منذ الربع الأول من عام 1997؛ انهيار الاقتصاد الروسي والإفلاس المالي في تموز/يوليو 1998؛ الركود الوحشي في أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، البرازيل؛ بداية الانكماش في اقتصاديات بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

آليات هذا الركود الرأسمالي الدولي، والذي كان آخرها ما يحلو للبعض وصفه بأول أزمة في الرأسمالية العالمية، معروفة جيداً: انقباض في الإنتاج والتجارة؛ اتجاهات انكماشية؛ نمو مطرد في حجم القروض المتراكمة على البلدان لدى المصارف الدولية التي أصبحت غير قابلة للاسترداد؛ انسحاب وحشي لرأس المال من البلدان من قبل المشغلين الماليين الأساسيين الذين يعيشون من الإيرادات الطفيلية، كالاستثمارات في السندات والأسهم وغيرها من المشتقات. كل هذه تكشف عن وجود أزمة طويلة الأمد ومتفاقمة في النظام منذ بداية السبعينات من القرن الماضي.

ملكوت المال

العقيدة النقدية الجديدة التي تفرضها الولايات المتحدة منذ عام 1971، أي الالتزام الكامل والالتصاق "بآليات السوق" ("اندماج الأسواق" كما يقول جورج سوروس)، وتأثيرات التحرير ورفع الضوابط وتدابير الخصخصة حول العالم – كلّها دمرت السياسة وأضعفت المؤسسات الديمقراطية التمثيلية واستعمرت الدولة. من خلال الخيارات التي قطعوها على أنفسهم، قام أقطاب الاقتصاد بتفكيك دولة الرفاه وتركوا هياكل الاقتصاد المختلط يضمحل، كالتعاونيات ومنظمات التعاضد والتكافل الاجتماعي التي كانت ترتبط بالنقابات القوية في الولايات المتحدة وأوروبا.

قام صنّاع القرار بقلب مشاريع الأعمال من خلال رشقات من الاندماجات وعمليات التملك والتحالفات الإستراتيجية. الأوساط الصناعية والمالية في الساحة تهيمن عليها بصورة متزايدة شبكات من المؤسسات العملاقة التي تقع خارج نطاق سيطرة كل الدول الديمقراطية السياسية (على سبيل المثال ، صناديق الاستثمار المشترك، وصناديق المعاشات التقاعدية، والصناديق التحويطية، الخ). لقد تغيرت روح الاقتصاد (oikos nomos= قواعد المنزل وoikonomos = فن إدارة المنزل) من خلال التضحية بهدف الرفاه الاجتماعي والعمل للجميع لمصلحة زيادة نسب الأرباح وقيمة الأسهم في سوق القطع.

لقد قاموا بنقل السلطة بشكل علني إلى قطاع الأموال، والسيادة إلى السياسة النقدية. فرضوا استقلال البنوك المركزية عن السياسة، لكنهم لم يفصلوها عن الأسواق المالية والأقلية الصغيرة التي تنظم الأسواق وتستغلّها لمصالحها الخاصة. تم اختزال كل شيء إلى سلعة؛ بما فيها الرياضة والفن والثقافة وحتى البشر. أصبح كل شيء مادّة للاستغلال وجني الأرباح. بالنسبة لسادة هذا العالم. تحوّل الناس إلى "موارد بشرية".

أرخبيل الرأسمالي العالمي: العولمة ليست في كل مكان

باختصار، العولمة كما يتحدث عنها القادة الاقتصاديون، هي مجرد خدعة. في الواقع، وفي المصلحة العامة للعالم أجمع، لا توجد عولمة حقيقية في المجتمع أو الاقتصاد أو الظروف الإنسانية. لا توجد عولمة في النظم السياسية، أو الدولة، أو المؤسسات الديمقراطية التي توفر ضمانات وتفرض السيطرة على اتخاذ القرارات التي تؤثر على مختلف المناطق والسكان من العالم. البناء الذي شيّد في هذه السنوات الثلاثين الماضية، ليس اقتصاداً معولماً، بل هو أرخبيل من الجزر الرأسمالية - الكبيرة والصغيرة - حيث تتركز القدرات العلمية والتكنولوجية العالمية، والقدرة المالية، والسلطة الرمزية، وسلطة وسائل الإعلام الحالية. العولمة التي تجرى هي شكل من أشكال الاستقطاب المتزايد للاقتصاد الدولي.

بعض المدن الكبرى تمثل البنى التحتية ودماغ وقلب هذا الأرخبيل: نيويورك ولوس انجليس وشيكاغو وسان فرانسيسكو وديترويت وميامي وهيوستن، تورونتو ومونتريال، لندن، باريس، فرانكفورت وميونيخ وشتوتغارت وبلاد الروهر، الرانستاد الهولندية وكوبنهاغن، ميلان وروما ومدريد وبرشلونة وستوكهولم، طوكيو وأوساكا وناغويا وشنغهاي وهونغ كونغ وسنغافورة، ساو باولو... في هذه المدن الكبرى ومراكز الأعمال التجارية تكمن مراكز شبكات الاتصال والمعلومات ومقار أكبر الشركات الصناعية والمالية والتجارية متعددة الجنسيات. أمّا التحرير ورفع الضوابط والخصخصة والتنافس فهي تشدّ الروابط فيما بين تلك المراكز أكثر من توطيد الصلات بينها وبين بقية العالم. "القرية العالمية" الشهيرة ليست سوى أرخبيل متناثر ومترابط.

يقول قادة الاقتصاد إن الابتكار الذي يعول عليه يولد ويتم إنتاجه في هذه الجزر التي يرتقي بعضها إلى مصاف النموذج الذي يجب أن يعمم (مثل وادي السليكون في كاليفورنيا). بالنسبة لهم، هذه الجزر هي منبع "مجتمع المعلومات الجديد" وهم في صدد تثبيت ما يسمّى "مجتمع المعرفة"، أي عالم الثروة اللامادية والمعارف الجديدة. وفي هذا السياق، فإن الخيار الواقعي الوحيد لمناطق أخرى من العالم هو محاولة الالتصاق، بأي ثمن، بواحدة من جزر الأرخبيل على أمل أن تصبح جزءاً لا يتجزأ منه.

وفقاً لقادة الاقتصاد العالمي، مَن يفشل في هذا المسار لا بد أن يُلقى به ليكون تحت رحمة الرياح، لن يكون هامشياً أو "طرفياً" فحسب، سوف يصبح "من دون مستقبل". أضحت معرفة "الانترنت" خطوة ضرورية لإنشاء القنوات والجسور مع ذلك الأرخبيل. ولهذا السبب، أصبح بناء "أنابيب توزيع" الفضاء الافتراضي وشبكات الانترنت واحداً من الأولويات الرئيسية في كل مكان، حتى أكثر أهمية من تركيب حنفيات مياه الشرب التي هي حاجة ماسة لملياري إنسان اليوم. ومن الواضح أن "العولمة" بشكلها الحالي قد صادرت الحياة وحقوق المعيشة الأساسية.

مصادرة مستقبل العالم

تضاعفت ظواهر المصادرة وتوسّعت في كل المجالات، على سبيل المثال:

الكائن البشري صودرت منه حقوقه الأساسية: إنّه "موارد بشرية"، هو/هي فقط له/لها الحق في الوجود كوظيفة من وظائف الربحية، ما يُعرف اليوم بـ"إمكانية التوظيف" التي حلّت محل مفهوم "حق العمل".

المجتمع صودرت منه علّة وجوده كنظام لتنظيم وتعزيز الصلات المشتركة بين الأشخاص وبين المؤسسات مع ما يقابلها من التفاعلات والمعاملات. استُعيض عنه بالسوق وتم رفعه إلى مرتبة "نظام معاملات" مثالي بين الأشخاص.

العمل تمّت مصادرة دوره كخالق للقيمة والتاريخ: "سلعة" تتنافس مع السلع الأخرى في السوق الكوني؛ قيمته يجب أن تنخفض بشكل مستمرّ، مستخدمين البطالة المعولمة كرافعة (والأحرى، "خافضة") لهذا التدهور.

الحياة الاجتماعية صودرت منها الهوية والتضامن: القيمة فقط هي للفرد الذي يسيطر عليه منطق البقاء وتطبيق القوة في إطار من المنافسة الحربية.

السياسة صودر منها قدرتها الأساسية على التنظيم والتمثيل والتحكّم ودورها الشرعي الديمقراطي؛ هذا الدور تم تسليمه إلى المال وتكنوقراطييه.

الثقافة، وقد صودر منها تنوعها ودراميتها وألوهيتها، استُبدلت بالتكنولوجيا والنمطية المخدِّرة والعنف الغرائزي وهمجية الإكراه.

المدينة تعرضت لمصادرة وظيفتها كمجال للمجتمع؛ لقد تحولت إلى مكان اللاإنتماء وحالة التغيّر المستمر والسرعة؛ إمّا أن تتطابق أو تضيع في حالة من البداوة وفقدان الذاكرة.

الديمقراطية انتُزعت منها قيم الحرية والمساواة والتضامن: السلطة الفعلية أُعطيت لطبقة أوليجارشية بدأنا للتو التعرّف إلى خصائصها وقيمها وأساليب عملها.

لكن بمواجهة عولمة الاقتصاد الرأسمالي والنتائج الاجتماعية والثقافية المترتبة عنه، بدأنا نشهد نضالاً معارضاً ومقاومة متنامية، لكنها لا تزال مجزأة. من المهم توحيد الجهود سواء على مستوى التفكير أو العمل. وهذا هو السبب في صعود موجات من التنسيق في مختلف الأنحاء والمجالات، من أجل تجميع المبادرات الموجودة بالفعل حول العالم.

SPIP | صفحة نموذجية | | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0